ابن حزم

226

رسائل ابن حزم الأندلسي

ولقد رأيت من يستعجل ( 1 ) هجر محبوبه ويتعمده خوفاً من مرارة يوم البين وما يحدث به من لوعة الأسف عند التفرق ، وهذا وإن لم يكن عندي من المذاهب المرضية ، فهو حجة قاطعة على أن البين أصعب من الهجر ، وكيف لا وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفاً من البين . ولم أجد أحداً في الدنيا يلوذ بالبين خوفاً من الهجر ، إنما يأخذ الناس أبداً الأسهل ويتكلفون الأهون . وإنما قلنا إنه ليس من المذاهب المحمودة لان أصحابه قد استعجلوا البلاء قبل نزوله ، وتجرعوا غصة الصبر قبل وقتها ، ولعل ما تخوفوه لا يكون ، وليس من يتعجل المكروه - وهو على غير يقين مما يتعجل - بحكيم ، وفيه أقول شعراً منه : [ من الخفيف ] . لبس الصب للصبابة بينا . . . ليس من جانب الأحبة منا كغني يعيش عيش فقير . . . خوف فقر وفقره قد أبنا وأذكر لابن عمي أبي المغيرة في هذا المعنى - من أن البين أصعب من الصد - أبياتاً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاماً أو نحوها ، وهي : [ من الكامل المجزوء ] . أجزعت أن أزف الرحيل . . . وولهت ان نص الذميل كلا : مصابك فادح . . . وأجل : فراقهم جليل كذب الألى زعموا بان . . . الصد مرتعه وبيل لم يعرفوا كنه الغلي . . . ل وقد تحملت الحمول أما الفراق فإنه . . . للموت إن أهوى دليل ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة أولها : [ من الكامل ] .

--> ( 1 ) بتروف : يستعمل ، وتابعته طبعات أخرى ؛ والسياق التالي يقوي قراءة " يستعجل " فقد قال المؤلف بعد سطور " لان أصحابه قد استعجلوا البلاء وليس من يتعجل المكروه الخ " .